فخر الدين الرازي
432
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
والجواب الثاني : أن هذا اللغو أورد في معرض الاستهزاء بهم أي قصارى أمرهم أن يكونوا أحياء عقلاء ، فإن ثبت ذلك فهم عباد أمثالكم ولا فضل لهم عليكم ، فلم جعلتم أنفسكم عبيداً وجعلتموها آلهة وأرباباً ؟ ثم أبطل أن يكونوا عباداً أمثالكم . فقال : أَ لَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها [ الأعراف : 195 ] ثم أكد هذا البيان بقوله : فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ ومعنى هذا الدعاء طلب المنافع وكشف المضار من جهتهم واللام في قوله : فَلْيَسْتَجِيبُوا لام الأمر على معنى التعجيز والمعنى أنه لما ظهر لكل عاقل أنها لا تقدر على الإجابة ظهر أنها لا تصلح للمعبودية ، ونظيره قول إبراهيم عليه السلام لأبيه : لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً [ مريم : 42 ] وقوله : إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أي في ادعاء أنها آلهة ومستحقة للعبادة ، ولما ثبت بهذه الدلائل الثلاثة اليقينة أنها لا تصلح للمعبودية ، وجب على العاقل أن لا يلتفت إليها ، وأن لا يشتغل إلا بعباده الإله القادر العالم الحي الحكيم الضار النافع . [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 195 ] أَ لَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ ( 195 ) اعلم أن هذا نوع آخر من الدليل في بيان أنه يقبح من الإنسان العاقل أن يشتغل بعبادة هذه الأصنام . وتقريره أنه تعالى ذكر في هذه الآية أعضاء أربعة ، وهي الأرجل والأيدي والأعين والآذان ، ولا شك أن هذه الأعضاء إذا حصل في كل واحدة منها ما يليق بها من القوى المحركة والمدركة تكون أفضل منها إذا كانت خالية عن هذه القوى ، فالرجل القادرة على المشي واليد القادرة على البطش أفضل من اليد والرجل الخاليتين عن قوة الحركة والحياة ، والعين الباصرة والأذن السامعة أفضل من العين والأذن الخاليتين عن القوة الباصرة والسامعة ، وعن قوة الحياة ، وإذا ثبت هذا ظهر أن الإنسان أفضل بكثير من هذه الأصنام ، بل لا نسبة لفضيلة الإنسان إلى / فضل هذه الأصنام البتة ، وإذا كان كذلك فكيف يليق بالأفضل الأكمل الأشرف أن يشتغل بعبادة الأخس الأدون الذي لا يحس منه فائدة البتة ، لا في جلب المنفعة ولا في دفع المضرة . هذا هو الوجه في تقرير هذا الدليل الذي ذكره اللَّه تعالى في هذه الآية ، وقد تعلق بعض أغمار المشبهة وجهاً لهم بهذه الآية في إثبات هذه الأعضاء للَّه تعالى . فقالوا : إنه تعالى جعل عدم هذه الأعضاء لهذه الأصنام دليلًا على عدم إلهيتها ، فلو لم تكن هذه الأعضاء موجودة للَّه تعالى لكان عدمها دليلًا على عدم الإلهية وذلك باطل ، فوجب القول بإثبات هذه الأعضاء للَّه تعالى . والجواب عنه من وجهين : الوجه الأول : أن المقصود من هذه الآية : بيان أن الإنسان أفضل وأكمل حالًا من الصنم ، لأن الإنسان له رجل ماشية ، ويد باطشة ، وعين باصرة ، وأذن سامعة ، والصنم رجله غير ماشية ، ويده غير باطشة ، وعينه غير مبصرة ، وأذنه غير سامعة ، وإذا كان كذلك كان الإنسان أفضل وأكمل حالًا من الصنم ، واشتغال الأفضل الأكمل بعبادة الأخس الأدون جهل ، فهذا هو المقصود من ذكر هذا الكلام ، لا ما ذهب إليه وهم هؤلاء الجهال . الوجه الثاني : في الجواب أن المقصود من ذكر هذا الكلام : تقرير الحجة التي ذكرها قبل هذه الآية وهي قوله : وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ [ الأعراف : 192 ] يعني كيف تحسن عبادة من لا يقدر على النفع والضرر ، ثم قرر تعالى ذلك بأن هذه الأصنام لم يحصل لها أرجل ماشية ، وأيد باطشة ، وأعين